أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

400

شرح مقامات الحريري

وأمره أن يصادق قهارمة الدور ومدبّريها ، ويرافق وكلاء المطابخ ومديريها ، فإنهم يملكون من أصحابهم أزمّة مطاعمهم ومشاربهم . وأمره أن يتعهد أسواق المتسوّقين ومواسم المتبايعين ؛ فإذا رأى وظيفة قد زيد فيها ، أو أطعمة قد احتشد منها ، أتبعها إلى القصد بها ، وشيّعها إلى المنزل الحاوي لها ، واستعلم ميقات الدعوة ، ومن يحضرها من أهل اليسار والثروة . وأمره أن يجتنب مجامع العوامّ المقلين ، ومحافل الرّعاع المقتّرين ، وألّا ينقل إليها قدما ، ولا يغفر لمآكلها فما ، فإنها عصابة تجتمع على مضض النّفوس والأحوال . وقلة الأحلام والأموال ، وفي التطفيل عليها إحجاف بها يؤلم وإزراء بمروءة التطفيل يثلم . وأمره أن يحوز الخوان إذا حصل ، والطعام إذا نقل ، حتى يعرف بالحدس والتخمين عدد الألوان في الكثرة والقلة ، وافتنانها في الطّيب واللذة ، فيقدّر لنفسه أن يشبع مع آخرها ، وينتهي عند انتهائها ، فلا يفوته نصيب من كثيرها وقليلها ، ولا يخطئه الحظّ من دقيقها وجليلها . ومتى أحسّ بنقلة الطعام وحجره ، أمعن في أوّله إمعان الكيّس في سعيه ، والرشيد في أمره ، فإنه إذا فعل ذلك سلم من عواقب الأغمار الذين يكفون طرفا ، ويقلّون تأدبا ، ويظنون أن المائدة تبلغهم إلى آخر حاجتهم ، وتنتهي بهم إلى حدّ غايتهم ، فلا يلبثون أن يخجلوا خجلة الوامق الراغب ، وينقلبوا بحسرة الراهق الخائب . وأمره أن يروض نفسه ، ويغالط حسّه ، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحا ، ويطوي دونه كشحا ، ويستحسن الصّمم عن الفحشاء ، ويغمض عن اللقمة الخشناء ، وإن أتته الوكزة في حلقه ، صبر عليها لأجل الوصول إلى حقه ، وإن وقعت الصفعة في رأسه ، عضّ عليها بمواقع أضراسه ، وإن لقيه لاق بالجفاء ، قابله باللطف والصفاء ، إذا كان ولج الأبواب ، وخالط الأصحاب ، وجلس مع الحضور ، واختلط بالجمهور ، فلا بد أن يلقاه المنكر لأمره ، ويمرّ به المستغرب لوجهه ، فإن كان حرّا حسنا أمسك وتذمّم ، وإن كان فظّا غليظا همهم وتكلّم . وأن يستعمل مع المخاطب له الملاينة ، وأن يجتنب عند ذلك المخاشنة ليردّ غيظه ويقلّ حده ، ويكفّ غربه ويأمن سعيه . وأمره أن يتعهد الجوارشات المعدّة للعدد ، والمقويّة للمعد ، المشهية للطعام ، المسهلة سبيل الانهضام ، وأن يكون في اتخاذها كالكاتب الذي يخطّ أقلامه ، والفارس الذي يصقل حسامه . وأمره إذا غشي أبواب الملوك وأهل السلطان ، أن يصانع البوّاب والحجاب ويخدم القوّاد والكتّاب ، فإذا دخل السواد الأعظم ، توسط الجمع لا يتأخّر ولا يتقدّم ، بعد أن يجمل ثيابه ، ويحسّن كلامه وجوابه ، فطعام الأمراء تدعى إليه الحفلاء احتفالا ، ويتكفّل بالوفود على العموم اكتفالا . فهذا العهد مطابق لأحوال هذه المقامة .